المجتمع والناس
أخر الأخبار

ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ لغز الوعي!

بقلم : دكتور عبد الباسط سلامة هيكل

ليستْ الملكات العقلية في ذاتها ما يُميز الإنسان عن غيره من الكائنات التي تتمتع هي الأخرى بنوع ما من تلك الملكات العقلية بما لديها من مستوى مبدئي من الفهم والتفكير، لكن يأتي الاختلاف كما وكيفا في قدرة الإنسان على تنمية وتطوير ملكاته العقلية محدثا قفزات عقلية ورُوحية واجتماعية وأخلاقية، فالإنسان دونَ غيره من الكائنات هو القادر على الارتقاء تصاعديا بملكاته العقلية.
وأول تلك الملكات “الوعي”( ) الذي هو متطلب أساسي لبقية النشاطات العقلية التي يأتي في ذروتها الخيال وتذوق الجمال والإبداع والتسامي الروحي، فكلّ واحد منا على قدر وعيه بعالمه الداخلي الغني بالأفكار والمشاعر الأحاسيس، والمعاني والقيم، ووعيه بعالمه الخارجي، وتفاعله معه تكون إنسانيته.
وفي المقابل يتحمل “قصور الوعي” المسؤولية عن تراجع المجتمعات الإنسانية حضاريا، فيقف تدني مستويات الوعي وراء مظاهر التّخلف التي تعيشها تلك المجتمعات التي تلجأ بدافع من الإخفاق في بناء الوعي إلى حلول غير واقعية، أو الهروب من مشكلاتها إلى الماضي تتسلى به عن مشكلاتها الحقيقية.
ورغم أهمية دراسة “الوعي” إلا أنّه لم يحظَ بدراسات كافية في المكتبة العربية؛ لذا يُمثّل كتاب “حوارات حول الوعي” للكاتبة “سوزان بلاكمور”( ) الذي ترجمه الدكتور عمرو شريف ضمن مشروع المركز القومي للترجمة إضافة معرفية في هذا الميدان، فيضمّ الكتاب حوارات مع واحد وعشرين مفكرا في مجالات الفلسفة وعلم النفس والعلوم العصبية وفيزياء الكوانتم، ويُلخص عشرات الأبحاث التجريبية والفلسفية التي طرحت تساؤلات من قبيل ما هو الوعي؟ وما مصدره؟ وما علاقة العقل والوعي غير الماديين بالمخ المادي، هل متصلان أم منفصلان؟ وهل لأحدهما سيطرة على الآخر؟ وكيف تُمارس تلك السيطرة؟ بعبارة أخرى، كيف تبزغ التجربة الذاتية من المخ المادي؟ وما مصدر العقل الإنساني؟ هل يُمكننا تقديم تفسير مادي لإنسانية الإنسان؟ وتساؤلات أخرى عديدة حول حرية الإرادة والذات الإنسانية والحياة بعد الموت وغيرها من القضايا الميتافزيقية المختلفة.
فحوارات الكتاب وما أضافه المترجم من شرح وتحليل ونقد ينقل القارئ إلى أتون معضلة الوعي من المنظورين الفلسفي والعلمي بما يُمكّنه من التّعرف على القضية في جميع مستوياتها، فالحديث حول الوعي يُدخلنا في حقل ألغام من التعريفات والمشكلات الفلسفية، فإذا كان المخّ البشري هو أعقد موجود فيزيائي في الكون، فإن الوعي الإنساني هو أحد أكبر ألغاز الفلسفة والعلم. فإذا كان من مطلسمات الربوبية التي واجهت فلاسفة الأديان هو العجز عن إدراك كيف يتواصل الإله غير المادي مع الوجود المادي، وكيف يُؤثر فيه، فإن المطلسم الإنساني المقابل والمعاكس هو إدراك كيف تُشكل النشاطات المادية للمخ وعينا الذاتي غير المادي؟
وقد اتّبع عمرو شريف منهجا مختلفا في الترجمة صكّ له مصطلحا جديدا، وهو “الترجمة الناقدة” حيث ضمّن الترجمة تعليقات ونقد وحصاد وتحليل ضاعف من حجم الكتاب الأصلي الذي تبلغ صفحاته قبل الترجمة ٢٧٤ صفحة من القطع الصغير؛ ليُصبح بعد الترجمة ٥٣٠ صفحة من القطع الكبير، وهذا ما دفع شريف إلى جعْل عنوان الكتاب الأصلي “حوار حول الوعي” عنوانا ثانويا، وإضافة عنوان جديد هو “لغز الوعي” إلى غلاف الكتاب كعنوان أصلي، فترجمة شريف أقرب ما تكون إلى قراءة ودراسة نقدية لكتاب “سوزان بلاكمور”، فالقارئ أمام كتابين، وليس كتابا واحدا، يحمل كلّ منهما تفسيرا خاصا لظاهرة الوعي:
الأول تفسير “سوزان بلاكمور” ويُمثّل المذهب المادي Materialism” أو الاختزالي Reductioism” أحد وجهي المذهب الأحادي( ) الذي لا يرى في الوجود إلا المادة، ومن ثمّ يُرْجِع الوعي إلى عمليات مُخيّة فيزيوكيمائية فحسب، وإن كان العلماء الكبار الذين تأسست علوم المخ والأعصاب على جهودهم، واستحقّوا جميعا جائزة نوبل تقديرا لهذه الجهود “أمثال سيرجون إكلز وسير تشارلس شرنجتون وسير روجر سبيري وويلدر بنفليد يرفضون نسبة العقل إلى المخ. فأصحاب الطرح المادي والمتخصصون في علوم المخ والأعصاب منهم من يُنكر وجود ظاهرة الوعي أو الذات الإنسانية، ومنهم من يقبلها غير أنّه يُنكر أن يكون لها وظيفة! ومنهم من يرى أن هناك عضو في الجسم الحي هو المسؤول عن الوعي ولا شك أنّ المخّ هو المرشح الأول لهذا الدور.
والثاني تفسير “عمرو شريف” الذي يُمثّل شكلا جديدا للثنائية Dualism التقليدية المطلقة بأسمائها المختلفة: المادي- اللامادي، الجسم -العقل، الفيزيائي- الميتافيزيائي، الشهادة – الغيب، التي تتبنى أطروحات ثنائية من قبيل أنّ الوجود يتكون من عنصرين أساسيين، هما العنصر المادي المتواجد في الزمان والمكان والذي تُدركه حواسنا، والعنصر المفكر الواعي اللامادي الذي لا يحدّه زمان ولا مكان، فالوعي يحدث عند تلاقي هذين العنصرين والأغلب أنّ المخّ هو أكثر الأماكن احتمالا لهذا التلاقي.
ويُمثل الطرح الديني نوعا من هذه الثنائية، فالجسد/ المخ الإنساني بنية مادية من مادة الأرض، تمت تسويتها؛ لتكون قابلة لاستقبال نفخة الروح والعلاقة بين الكيانين الروح والجسد علاقة تبادلية إذْ يُؤثر كلّ منهما في الآخر، ويتأثر به، فنفخة الروح الإنساني هي التي منحت الإنسان المستويات الأعلى من الفهم والتفكير وما يعلوهما من ملكات عقلية. ( )
غير أنّ شريف يُطور من الثنائية التقليدية الشائعة حين يرفض اعتقاد الكثيرين أنّ ذات الإنسان تنحصر في الرّوح، وأن الجسد ليس إلا دابة للروح، ويرى “أنّ الصواب أنّ الإنسان كائن متوحد تمتزج فيه الروح والجسد، فتُصبح هذه الثنائية هي ذات الإنسان وجوهره؛ لذلك يُمكن وصفنا بأننا أرواح متجسدة”.
أخيرا الكتاب تدريب وممارسة عملية للتفلسف، على حد قول إيمانويل: “ليست مهمتي أن أطرح فلسفة الفلاسفة لكن مهمتي أن أُعلم كيف تتفلسف”، فحوارات بلاكمور مع العلماء والفلاسفة حول الوعي الذي تكون به إنسانية الإنسان مادة ثريّة تُدرّب القارئ كيف تتولد النظريات وتُولد الأفكار؟ كيف يُفكر العلماء والفلاسفة؟ كيف تكون إثارة القضايا المختلفة في أثناء الحوار؟ وكيف نعقّب على الإجابة أو ننطلق منها إلى سؤال آخر؟ كيف أن الحوارات العلمية هي محاولة من أجل الاقتراب من الحقيقة قدر الإمكان بعيدا عن التعصب ومحاولات الانتصار للرأي؟

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock